الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

168

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

ثبوته أو لم يؤثر في ثبوت الحكم إلا واحد منها وإن كان قابلا للتعدد في الخارج فإن ظهور كون الأسباب المفروضة سببا لتكليف واحد فلا إشكال أيضا في عدم الحاجة إلى تكرار المكلف به على حسب تلك الأسباب كما في الجنابات المتعاقبة الموجبة للتكليف بالغسل والأحداث الصغرى المتواردة الباعثة للتكليف بالوضوء عند وجوب المشروط إذ المفروض كون الحاصل منها تكليفا واحدا متعلقا بالغسل أو الوضوء الحاصل بأدائه مرة وإن ظهر كون كل منها سببا للأمر فلا كلام أيضا في تعدد التكاليف ويقضي ذلك إذن بتعدد المكلف به وتعدد الأداء على التفصيل الذي بيناه وإن لم يظهر شيء من الأمرين وشك في كونها أسبابا لأمر واحد أو أوامر متعددة يتوقف الفراغ منها على تكرار الفعل على حسبها فهل يبنى على الأول أو الثاني وجهان أظهرهما الأول أصلا أخذا بمقتضى الأصل السالم عن المعارض وما يتمسك به في مقابلة الأصل مدفوع بما سيأتي بيانها وظاهر بعض أعاظم الأعلام أن الأصل تعدد الأسباب مطلقا واحتج له بوجوه منها أنه مما اتفق عليه الأصحاب وعليه يدور حي الفقهاء في كل باب ولم يخالف فيه سوى جماعة من المتأخرين وقد استند إليه الفقهاء الإثبات وأرسلوه إرسال المسلمات وسلكوا به سبيل المعلومات ولم يخرجوا عنه إلا لدليل واضح أو اعتبار لا يخلو كما يدل عليه ملاحظة المقامات التي قالوا بالتداخل منها ومنها استقراء الشرعيات في أبواب العبادات والمعاملات فإن المدار فيها على تعدد المسببات عند تعدد الأسباب عدا نزر قليل مستند إلى ما قام عليه من الدليل وهو من قبيل الاستدلال بالنصوص المتفرقة الواردة في الجزئيات على ثبوت القاعدة وليس من الاستناد إلى مطلق الظن ولا القياس في شيء ومنها أن اختلاف المسببات إما أن يكون بالذات كالصوم والصلاة والحج والزكاة ولا كلام فيه أو بالاعتبار كصلاة الفجر أداء وقضاء والاختلاف في الثاني فليس إلا لاختلاف النسبة والإضافة إلى السبب فإن صلاة ركعتين بعد الفجر لمن عليه صبح فائتة صالحة لها وللحاضرة وإنما تختلف وتعدد باعتبار نسبتها إلى دخول الوقت وخروجه ومثل ذلك حاصل في كل ما ينبغي فيه التداخل إذ المفروض فيه اختلاف الأسباب التي تختلف به النسب واختلاف النسبة حتى كان مقتضيا للتعدد في شيء كان مقتضيا له في غيره لأن المعنى المقتضي للتعدد حاصل في الجميع قائم في الكل ومنها أن ظاهر الأسباب المتعددة قاض بتعدد مسبباتها نظرا إلى تبادر الاختصاص المقتضي للتعدد فإن مفاد قوله من نام فليتوضأ اختصاص كل سبب بمسببه فيجب الوضوء بخصوصه لأجل النوم كما يجب كذلك لأجل البول فالمستفاد منه وجوب وضوءين عند عروض الأمرين ومنها أن الثاني من السببين المتعاقبين ينبغي أن يثبت به المسبب لعموم ما دل عليه سببيته والثابت به غير الأول لأن الظاهر من ترتب طلبه على حصول سببه تأخره عنه كما هو الشأن في سائر الأسباب بالنسبة إلى مسبباتها فيكون مغايرا للمطلوب بالأول ضرورة حصوله بالسبب الأول قبله فيتعدد المسبب كما هو المدعى ويمكن المناقشة في الجميع أما في الأول فبأن دعوى الإجماع على ذلك مطلقا غير واضحة بل لو ثبت هناك إجماع فإنما هو فيما إذا ثبت بالأسباب العديدة تكاليف متعددة وأريد أداؤها بمصداق واحد كما هو ظاهر من ملاحظة موارد ما ذكره من الجريان عليه في أبواب العبادات والمعاملات وليس توقف الأداء على الإتيان بالمتعدد إلا مع ثبوت تعدد التكليف وهو أول الكلام في المقام أما الثاني فبما أشرنا إليه من أن تعدد التكليف هناك هو القاضي بتعدد المكلف به حسبما بينّاه يعرف ذلك من ملاحظة الأمثلة التي ذكرها المستدل قدس سره حيث مثل لذلك بالصلاة المتوافقة من فائتة وحاضرة والفوائت المتعددة من الفرائض والنوافل والفرائض المتوافقة كصلاة الزلزلة والآيات وصلاة الطواف والنافلة والفريضة المتوافقتين كصلاة العيد والاستسقاء وزكاة المال والفطرة إلى غير ذلك مع اندراج أكثر ما ذكره في مورد التداخل محل كلام مرت الإشارة إليه فكيف يثبت به ما نحن فيه بصدده من إثبات تعدد التكليف بمجرد تعدد السبب أما في الثالث فبأن الاختلاف الحاصل بسبب النسبة والإضافة قد يكون مسوغا للفعل بحيث كما يجوز اجتماع أحدهما مع الآخر كصلاة الظهر والعصر وأداء الدين والزكاة والخمس وهو خارج عن محل الكلام إذ محل البحث ما إذا كان الظاهر نوعا واحدا أو نوعين متصادقين ولو في بعض المصاديق فأريد أداؤهما باختيار مورد الاجتماع والمفروض هنا أن أحد الاعتبارين لا يجامع الآخر ومع الخلو عن الاعتبارين لا يقع خصوص شيء من الأمرين ولو فرض وقوع أحدهما في بعض الفروض فلا يقع الآخر وإذا أمكن اجتماع الاعتبارين لحصول المطلوب بكل من الأمرين بذلك كان موردا للبحث وحينئذ فعدم إمكان التداخل في الصورة الأولى نظرا إلى تباين الاعتبارين وعدم إمكان اجتماعهما لا يقضي بعدم جواز الجمع بينهما في مورد النزاع مما لم يقم دليل على التباين وأمكن اعتبار الأمرين بظاهر الإطلاق فالقول بأن المعنى المقتضي للتعدد حاصل في الكل غير مفهوم المعنى فإنه إن أريد به اعتبار مجرد الإضافة والنسبة بأحد الوجهين قاض بعدم صحة ضم الأخرى منه فهو في محل المنع غاية الأمر أن يقال به في بعض الفروض مما قام الدليل فيه على تباين الاعتبارين وإن أريد به أن الإضافة والنسبة قاضية بتعدد الأمرين في الجملة ولو في الاعتبار فهو كذلك ولا ينافي التداخل الملحوظ في المقام لحصول المغايرة الاعتبارية مع ذلك أيضا والحاصل أنه مع انفكاك إحدى الإضافتين عن الأخرى فيكون مغايرتهما في المصداق حقيقة ومع حصولهما تكون المغايرة اعتبارية على أنه قد يحصل الأمران من غير حاجة إلى مراعاة الإضافة والنسبة كما إذا قال أكرم هاشميّا وأكرم عالما فإذا أكرم هاشميّا عالما فقد أتى بإكرام الهاشمي العالم من غير حاجة إلى ملاحظة الاعتبارين أما في الرابع فبأن دعوى الظهور المذكور على إطلاقها في محل المنع نعم تعدد الأمرين المتعلقين بالفعل مع ظهور عدم إرادة التأكيد قاض بذلك سواء تعدد سببه أو اتحد كما مر بيانه فلو لم يكن هناك ما يظهر منه تعدد التكليف سوى تعدد السبب كان استفادة تعدد التكليف منه بمجرده على تأمل بل الظاهر عدمه ألا ترى أنه لو قيل إن البول سبب لوجوبه في الجملة لم يفهم من اللفظ وجوب وضوءين عند عروض الأمرين